جعفر آل ياسين

34

الفارابي في حدوده ورسومه

والمجازات والتجرّد بلفظ معنى ما عن التصريح بلفظ المعنى الذي يتلوه متى كان الثاني يفهم من الأوّل ، وبألفاظ معان كثيرة يصرّح بألفاظها عن التصريح بألفاظ معان أخر إذا كان سبيلها أن تقرن بالمعاني الأوّل متى كانت تفهم الأخيرة مع فهم الأولى والتوسّع في العبارة بتكثير الألفاظ وتبديل بعضها ببعض ، وترتيبها وتحسينها . » - تلك هي إذن وظيفة الألفاظ في حال استقرار معانيها وتقويم مصطلحها ومبانيها ! . . ولكن سؤالا يطرح فحواه ؛ كيف هي المعاني الفلسفية إذا قيست إلى هذا التنظير الذي ساقه الفارابي إلينا ؟ . . يرى أبو نصر أنّ المعاني الفلسفية ، في مثل هذه الحال ، ينبغي أن تؤخذ على حالين : إمّا غير مدلول عليها بلفظ أصلا ؛ بل من حيث هي معقولة فحسب ! . . وإمّا أن تؤخذ بالألفاظ المدلولة بها عليها . ويستعان عندئذ بألفاظ أيّ أمّة اتفقت بقدر ما ينفع في حال النطق بها . ويمثّل موقف الفارابي الذي أوجزناه لك رأي الفلسفة في الإسلام ونظرتها نحو نشأة اللغة ودلالة المعاني وحدودها . ومن طريف ما يحدثنا عنه أبو نصر عند كلامه على طرائق القسمة والتركيب التي سلكها أفلاطون وارسطوطاليس في بناء الحدود والتعريفات ، قوله الذي يؤكّد فيه أن لا مباينة بين المسلكين ؛ فإنّ مثلهما « مثل الدرج الذي يدرج عليه وينزل منه ، فإنّ المسافة واحدة ، وبين السالكين خلاف » « 32 » . . ويحاول الفارابي توضيح موقفه إزاء رأيي الفيلسوفين اللّذين جمع بينهما فيقول : « سواء طلبت جنس الشيء وفصله ، أو طلبت الشيء في جنسه وفصله ، فظاهر أن لا خلاف بين الرأيين في الأصل ، وإن كان بين المسلكين خلاف » ثم يخطو خطوته التالية مقرّرا مقاصده بألفاظ موجزة ودقيقة فيقول : « نحن لا ندّعي أنّه لا بون ، بوجه من الوجوه وجهة من الجهات ، بين الطريقين ، لأنّه يلزمنا عند ذاك ( أي عند نكران التباين بينهما ) أن يكون قول ارسطوطاليس ومأخذه

--> ( 32 ) انظر : الفارابي - الجمع بين رأيي الحكيمين ، تحقيق د . ألبير نصري نادر ، بيروت 1968 ص 87 .